السؤال
يشتهر على الألسنة أن شهر صفر شهر نحس وشؤم، فهل ورد ما يدل على ذلك؟
ــــــــــــــــــــــــــ
الجواب
أولًا:
أكثر المراجع العظام نفوا ثبوت نحوسة شهر صفر بدليل معتبر. فقد ذهب السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره) والسيد علي السيستاني (دام ظله) إلى أن ذلك "لم يثبت بدليل معتبر" [١].
ويؤكد الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره) أنَّه "لم ترد روايات من أهل البيت عليهم السلام في هذا الموضوع" [٢].
وعلى المنوال نفسه، يصرّح السيّد محمد الشيرازي (قدس سره) بقوله: "اعلم أن هذا الشهر معروف بين الناس بالشر، ولكن لم أجد ما يدل عليه" [٣].
إلا أنَّ ثمة رأيًا آخر يثبت النحوسة، وهو ما ذهب إليه السيّد صادق الشيرازي (دام ظلّه)، حيث قال: "نحوسة شهر صفر كما جاء في بعض الروايات لأجل استشهاد الرسول الكريم في هذا الشهر وانقطاع الوحي عن الأرض" [٤].
ويظهر هذا الموقف لدى المحدث الشيخ عباس القمي (رحمه الله تعالى) في "مفاتيح الجنان"، حيث ذكر أنَّ "هذا الشهر معروف بالنحوسة" [٥] دون أن ينسب ذلك إلى رواية صريحة، لكنه ذهب إلى أنه لا شيء أجدى لرفعها من الصدقات والأدعية والاستعاذات المأثورة، مقررًا أعمالًا مخصوصة، منها دعاء: "يا شَدِيدُ القُوى وَيا شَدِيدَ المِحالِ..." الذي رواه المحدث الفيض الكاشاني [٦].
ثانيًا:
إذا كان المشهور بين المراجع عدم ثبوت النحوسة بدليل معتبر، فما أصل هذه الشهرة؟ يجيب الشيخ عباس القمي نفسه عن هذا التساؤل في كتابه "وقائع الأيام" فيحتمل سببَيْن اثنين [7]:
١- وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا الشهر، وهو ما يُستفاد من كلام السيد صادق الشيرازي (دام ظله) أيضًا [٨].
٢-سبب تاريخي اجتماعي: وهو أن شهر صفر يأتي بعد الأشهر الحرم التي كان العرب يتوقفون فيها عن القتال، فما إن ينقضي شهر محرم حتى تعود الحروب وسفك الدماء، فتشاءم العرب منه، ثم توارثت الأجيال هذا الموروث.
وبالنظر في هذين السببين، يُلاحظ أن الأول – وإن كان عظيمًا، إذ ورد عنه (صلى الله عليه وآله): "من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب" [٩] – إلا أنه لا دليل شرعيًا على ترتب نحوسة تكوينية على شهر وفاته، وإلا للزم نحوسة شهور أخرى كذلك.
كيف نتعامل مع البلاء ودفع النحوسة في كل الأوقات؟
الأول: استحباب أداء الأعمال المذكورة رجاءً، كما ذهب إليه الشيخ حسين الوحيد الخراساني حيث قال: "راجع كتب المزار والأدعية للمحدثين العظام... واعمل بما ورد فيه رجاءً، مثل دعاء (يا شديد القوى...)" [١٠].
الثاني: إنَّ الحثّ على الصدقة والدعاء في شهر صفر ليس من باب ورود دليل خاص، بل من باب التمسّك بالعمومات الدالة على استحباب الصدقة والدعاء عند احتمال البلاء، إذ لا نحتاج إلى دليل خاص لإثبات استحباب الصدقة في شهر صفر بعد أن قامت العمومات على أنَّ الصدقة تدفع البلاء. وهو ما يُفهم من قول الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره): "وأمّا التصدق والدّعاء في كل وقت فهو محبوب" [١١]، وقول السيّد محمد الشيرازي (قدس سره): "لا بأس بالتصدق والدعاء وعمل الخير فيه لاستحبابها في كل وقت" [١٢].
الثالث: الالتزام بالأعمال الواردة في خصوص الشهر كما هي في كتب الأدعية كـ"مفاتيح الجنان"، وهو ما نصح به السيّد صادق الشيرازي (دام ظلّه) بقوله: "ولدفع نحوسته ينبغي الالتزام بالصدقات والأدعية الواردة" [١٣].
وقفة مع صلاة آخر أربعاء من شهر صفر نموذجًا
من أبرز ما شاع بين الناس في هذا الشهر صلاة مخصوصة ليوم الأربعاء الأخير منه، تُصلّى بنية دفع البلاء، وهي أربع ركعات بتسليمتين، يُقرأ في كل ركعة سورة الكوثر (17) مرة، وسورة الإخلاص (5) مرات، والمعوذتين مرتين.
وقد وقف كبار المراجع من هذه الصلاة موقفًا حاسمًا ينفي أي أصل شرعي لها:
فقد صرّح السيّد صادق الشيرازي (دام ظلّه) بأنَّه "لا اعتبار بأمثال هذه المنقولات، ولا تشملها حتى قاعدة التسامح في أدلة السنن" [١٤].
وأفتى السيّد علي السيستاني (دام ظلّه) بأنَّه "لا صحة ولا مستند لما ينقل لمثل هذه العبادة المخصوصة بذلك اليوم" [١٥].
وأكّد الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره) أنَّه "لا يجوز الإتيان بها بعنوان أنها واردة شرعًا" [١٦].
وذهب السيّد محمد تقي المدرسي (دام ظلّه) إلى أنَّه "لم نعثر على دليل يثبت ذلك" [١٧].
ويُفهم من هذه الفتاوى إجماع هؤلاء الأعلام على أنَّ هذه الصلاة بخصوصيتها المذكورة لا مستند شرعيًا لها، فلا يصح الإتيان بها بعنوان الورود أو المشروعية الخاصة. وهذا ينسجم مع ما سبق تقريره؛ فالأدعية والصلوات المستحبة في مطلق الأوقات لا بأس بها ما لم تُنسب إلى الشارع بعنوان خاص لم يثبت.
والخلاصة التي يعبر عنها كثير من فقهائنا هي التعبير عن هذا الشهر بـ "صفر الخير" [١٨]، إشارة إلى أنه كغيره من الشهور، لا خصوصية له بنحوسة توجب ترتيب أثر خاص، وأن الدعاء والصدقة فيه مستحبان بطبيعة الحال كسائر الأوقات، دون أن يثبت فيه عمل مخصوص بهيئة معينة كالصلاة المذكورة.
شيخ عادل آل جوهر
الهوامش:
[١] استفتاء من مكتبي السيد محمد سعيد الحكيم والسيد علي السيستاني.
[٢] استفتاء من مكتب الشيخ محمد إسحاق الفياض.
[٣] السيد محمد الشيرازي، كتاب الدعاء والزيارة، ص 570.
[٤] استفتاء من مكتب السيد صادق الشيرازي.
[٥] الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص 379.
[٦] المصدر السابق؛ وانظر: الفيض الكاشاني، خلاصة الأذكار، ص 304.
[٧] الشيخ عباس القمي، وقائع الأيام، ص 185.
[٨] استفتاء السيد صادق الشيرازي.
[٩] قرب الإسناد، ص 94.
[١٠] استفتاء من مكتب الشيخ حسين الوحيد الخراساني.
[١١] استفتاء الشيخ محمد إسحاق الفياض.
[١٢] السيد محمد الشيرازي، كتاب الدعاء والزيارة، ص 570.
[١٣] استفتاء السيد صادق الشيرازي.
[١٤] استفتاء من مكتب السيد صادق الشيرازي حول صلاة آخر أربعاء من شهر صفر.
[١٥] استفتاء من مكتب السيد علي السيستاني.
[١٦] استفتاء من مكتب الشيخ محمد إسحاق الفياض.
[١٧] استفتاء من مكتب السيد محمد تقي المدرسي.
[١٨] السيد محمد الشيرازي، كتاب الدعاء والزيارة، ص 570.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للإشتراك في قناة جامع الاستفتاءات
▪︎تلغرام: [اضغط هنا](https://t.me/adelaljoh)
¤واتساب: [اضغط هنا]
https://whatsapp.com/channel/0029VaD72L57DAX2Vys9nZ0x
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
✒ ملاحظات
• الفتاوى مُرتَّبة حسب الترتيب الهجائي لأسماء المراجع من (اللقب).
• يُمنع التصرف بمحتوى الاستفتاء أو نشره مع أي تغيير.
الشيخ عادل ال جوهر
